ترجل فارس الحكمة

ملأ الدنيا وشغل الناس، عاش بينهم ولهم، عانق الوطن وضمه إلى صدره طوال حياته وإجتهد في خدمته، ولم يدع لنفسه الكمال، وتبادل معه وفاء بمثله..
إختلف ولم يخاصم، ولم يفجر يوما في إختلافه.
لم يتردد بالإعتذار عمن ظن في يوم أنه أساء إليه، فكسب إحترام وإجلال المتعاملين معه.
قريبا كان إلى الله ولصيقا بمكارم الأخلاق على الدوام .،
عفى عمن أساء إليه من مواقع الإقتدار ولم يحقد أو يحمل ضغينة له حتى خواتيم حياته..
حافظ على توازن فذ بين الصلابة والحزم وبين الرفق واللين بإدراك المقاصد وبلوغ الغايات..
الحكمةوالموعظة الحسنة والمجادلة بالتي هي أحسن، والنبل في الإختلاف، سمات لازمته على الدوام في الخاص والعام من حياته ، ففرض على مناوئيه ومؤيديه محبته ووقاره.
مدارسه التي أسسها في العمل السياسي والاقتصادي والاجتماعي والإنساني كثيرة، ولكنه  عميٌد لمدارس : الأخلاق الحميده، والحكمه، والشراكة الوطنيه، والتفاؤل..
إبتعد طوال حياته عن دروب الصلف والغُلو ، وإنتهج الإعتدال، وأدب الخطاب دون تفريط بالحزم بالمبدأ والعقيدة المؤمن بها والمؤتمن عليها وهي أن الوطن يأتي أولا، ولم يك في يوم محايدا في ذلك الأمر، ولم ينحاز إلا إليه..
حقق لوطنه وشعبه في ساعات الشدة وإحتدام الصراع ، ماعجز عن تحقيقه سالكوا طرق التأزيم وبذر الفتن .
الحكمة والتروي والتعقل مدرسته المثلى،  وكان على قناعة أن المغالاة والتهور وسوء الخطاب أساليب تفرق ولاتجم?ع، تدم?ر ولاتعم?ر..
الشراكة الوطنية، كانت معتقد ثابت له، فلا إحتكار لحب الوطن، وسعى بإصرار لتثبيت ذلك المبدأ والمعتقد بأن الكويت ملك للجميع وحصص الكويتيون متساوية في حب وطنهم بتساوي حصصهم في ملكيته وكل يعبر عن ذلك بطريقته، دون إحتكار أو تخوين أو إقصاء من طرف للطرف للآخر، ودون المساس بثوابت الدستور والقانون والعقد الاجتماعي.،
عميدا كان لمدرسة التفاؤل.. فلم يعرف التشاؤم يوما طريقا إلى فكره أو قلبه،
ونوافذه للأمل بغد أفضل من اليوم كانت مفتوحة على الدوام .
أيقن طوال خمسة وسبعين عاما أن مدارس الجهامة، والجهالة، والتطرف والإزدراء، لاتبني وطنا، وأن التراخي بالفزعة للوطن حين يوشك على الضياع هو جرم لا يغتفَر..
إختاره الشعب نائبا عنه في مجلس الأمة على مدى يجاوز أربعة عقود، ورئيسا له لخمس دورات متتالية بتوافق شعبي ورسمي غير مسبوق، وستبقى أدبيات ومحاضر ومضابط المجلس شاهدا له عبر التاريخ، بآرائه ومواقفه وأدواره بإطفاء الحرائق ووأد الفتن، ووثق رؤاه في خطبه الرئاسيه أمام الله والأمراء والناس جميعا، ولخصها بقوله في إحداها :
( علينا أن نتيقن أن معالجة قضايا الوطن تكون بالحوار الديمقراطي البناء لا التهديد والوعيد، وبالممارسة السياسية الرصينة لا الإنفعال والإندفاع، وبالنظر إلى الأمام لا البكاء على الأطلال ).
ولد وفي فمه ملاعق من ذهب. وإنحدر من أب كريم وأسرة خيّرة رضع منها قيمه وأخلاقه الرفيعه التي عاش بها ومارس من خلالها حياته المديدة ، وترأس هيئات ووزارات ومجالس، وتقلد مناصبه الرفيعه، ولم يزده ذلك العلو سوى تواضعًا وزهدًا ، وعاش بين أهله وأصدقائه وسائر الناس كأبسط واحد منهم، فإكتسب محبتهم وسكن قلوبهم 
إلا قلة من ذوي المواقف المسبقه، والكمال على الدوام لله وحده..
ترجل فارس الحكمة وغاب صوتها مع رحيله، فقد إختار الله إلى جواره إبن الكويت البار جاسم محمد عبدالمحسن الخرافي رحمه الله..
ودعته الكويت بعيون دامعة وقلوب وجلة ، ويقين بقضاء الله وقدره..
وأودع بين أيدي أبنائه وأهله ومحبيه إرثا من العطاء الوطني سيظل علامة بارزة  في ذاكرة الوطن ولن تخطئه قادمات الأيام  والأجيال، ولن يتجاوزه بصر ولا بصيره.،
رجال الدولة النماذج من أمثال بو عبدالمحسن رحمه الله يموتون ولا يغيبون..
له الرحمة والمغفرة ولذويه وصحبه والكويت الصبر والسلوان..
وإلى الله المعاد..
يوسف عبدالحميد الجاسم